محمد غازي عرابي
947
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
وفي الآية أن الساعة قريب لأن اللّه بالمرصاد أولا ولأنه فاعل ثانيا ، وفعله يتم عن طريق الأسماء والصفات ، ومنه ينطلق الأمر إلى الدماغ ، ومن الدماغ ينطلق الأمر إلى الجوارح عن طريق الأعصاب ، فالساعة الإلهية قائمة لا ريب فيها ، ولكن لا يراها إلا ذو البصيرة الذي رأى اللّه ظاهرا بالمظاهر وفعالا في هذه المظاهر ، فشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأن لا فاعل إلا هو ، وأن لا وارث إلا هو . [ سورة الشورى ( 42 ) : آية 19 ] اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ( 19 ) [ الشورى : 19 ] اللطف الإلهي تيسير المتعينات لمقاصدها بعد حمل الأمانة من الأسماء ، واللطف هو الرزق الإلهي على الحقيقة ، وكلاهما يشكل أساسا للقوة الإلهية التي هي أم القوى ومجموع القوى ، ولهذا ختمت الآية بوصفه سبحانه بالعزة أي بغلبة الأمر ، فالعزيز ذو المنعة الذي لا يوجد قبالته شيء ، فهو وحده كان ، وهو وحده الكائن ، وهو وحده سيكون ، فالعزيز الذي له الأسماء في تشخصاتها وفي تجردها من التعينات ، وهو وحده الأبدي السرمدي الحي القيوم . [ سورة الشورى ( 42 ) : آية 20 ] مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ( 20 ) [ الشورى : 20 ] قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه » ، فالإنسان بين أمرين ، إما طلب الدنيا ، وإما طلب الآخرة ، ولهذا ألحت الأديان والصوفية على ألا يكون الإنسان عبدا لدنياه ، وما دمنا بصدد الحديث عن المعقولات فإن المطلبين هما من مقاصد المعقولات أيضا ، ولكن شتان بين معقولات ومعقولات ، ولقد لقي الإسكندر الكبير ذات مرة ديوجينز الزاهد فقال له : سل حاجتك ، فأجاب ديوجينز : أرجو ألا تحجب عني أشعة الشمس ، فما كان للزاهد من قصد سوى الزهد في الطلب والإصرار على طلب الحقيقة . والآية ربطت طلب المعقولات الكمالية بطلب الآخرة ، فالآخرة ما ينتهي إليه أمر الإنسان الذي آثر آخرته على دنياه ففاز من ثم بالكنز المدفون تحت جدار البدن . والآية جعلت الإنسان مختارا حرا فقالت : مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ . . . وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا ، والحقيقة أن المقاصد للّه ، وهذا هو جوهر التوحيد وخلاصة علوم الصوفية ، فالتسيير إلهي والتيسير أيضا ، فطالب الدنيا تطلبه الدنيا التي هي مظهر من مظاهر الأسماء والمعقولات ، والمهتمون بطلب حرث الدنيا لهم نصيبهم من حرثها ، أي من معقولاتها المستخرجة من الحسيات ، ولهذا كان هجرة هؤلاء ، إما إلى دنيا يصيبونها ، أو إلى